الجصاص

44

الفصول في الأصول

علما ، وإنما أكثر ما فيه : أنهم لما فقدوا المسيح ، ورأوا رجلا مقتولا مصلوبا ، قال لهم من بحضرته : هذا هو المسيح ، فسكنت نفوسهم إليه ، من غير تعقب منهم بصحة خبرهم ، ولا تأمل لأصله ، وما يجوز فيه ، مما لا يجوز . وأيضا : فلو ثبت أن الناقلين لقتله وصلبه قوم لا يجوز على مثلهم التواطؤ ولا اختراع الكذب في خبر عن شئ بعينه ، لما أوجب خبرهم العلم بأنه هو المسيح ، لأن أكثر أحوالهم في ذلك أن يكونوا نقلوا أنهم رأوا شخصا مقتولا مصلوبا ، فهم صادقون في رؤيتهم لشخص هذه صفته ، ولوقع لنا العلم بأنهم قد رأوا شخصا قد قتل وصلب ، فأما أنه المسيح أو غير المسيح فلم يكن يقينا ، لأن الله تعالى قادر على إحداث شخص مثل المسيح ، في صورته وهيئته ، في أسرع من لمح البصر ، وظنه القاتلون ( 1 ) والذين رأوه مصلوبا ، بأنه المسيح ، وتسكن نفوسهم إليه ، لوجود الشبه . وقد روي : أن اليهود لما جاءوا يطلبونه ، قال لأصحابه : من يختار أن يلقى عليه شبهي فيقتل وله الجنة ، فاختار بعضهم ذلك . وإذا كان أصل خبرهم عن ظن لا يقين ، وعلم اضطرار ، لم يجز أن يقع لنا العلم بخبرهم . وإن كانوا ممن لا يجوز عليهم فعل خبر لا حقيقة له ، لأن شرط ما يوجب العلم من ذلك : أن يخبر به المخبرون عن مشاهدة أمر عرفوه اضطرارا . فأما إذا كان مرجع خبر هم إلى ظن لا حقيقة له ، فإنه لا يوجب وقوع العلم بصحة خبرهم : أنه كان المسيح أو غيره . فإن قيل : كيف يجوز أن يلقي شبه المسيح وهو نبي من أنبياء الله على غيره ، حتى لا يفرق الناظر إليه بينه وبين من سواه فيعتقد أنه المسيح . ؟ ؟ ( قيل له ) ( 2 ) : لأن قلب العادات ونقضها جائزان في أزمان الأنبياء كما ( كان يرى جبريل في صورة دحية الكبي ) ( 3 ) ، ( 4 ) ودخول إبليس في صورة شيخ نجدي مرة وفي صورة